الشيخ السبحاني

232

بحوث في الملل والنحل

عهد ولم يبق إلّا شيء واحد وهو أن لا يعهد إلى أحد وكان ولده يزيد أُمنيته وقرة عينه ، ولما مات الحسن رأى الجو صافياً ، فمهد الطريق لتنصيبه والياً من بعده ، وقد بذل في طريق أُمنيته أموالًا طائلة لأصحاب الدنيا من الصحابة والتابعين حتى أرضى طائفة بترغيبه ونقوده ، وطائفة أُخرى بتخويفه وترهيبه . نعم بقي هناك لفيف قليل اشتروا سخط المخلوق برضا الخالق فلم يبايعوه بل ثاروا عليه ووبخوا معاوية على نقض عهده ، منهم : أبو الشهداء الحسين بن علي فقد جاهر وطرد بيعته وذلك عندما أراد معاوية أخذ البيعة ليزيد فقام وحمد اللَّه وصلى على الرسول ، فقال بعد كلام : « وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله وسياسته لأُمّة محمد ، تريد أن توهم الناس في يزيد ، كأنّك تصف محجوباً ، أو تنعت غائباً أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص . وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه ، فخذ ليزيد فيما أخذ به ومن استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش ، والحمام السبق لأترابهن ، والقينات ذوات المعازف ، وضروب الملاهي ، تجده ناصراً ، ودع عنك لما تحاول فما أغناك أن تلقى اللَّه بوزر هذا الخلق بأكثر مما أنت لاقيه » « 1 » . تسنم معاوية منصة الحكومة فكان يحكم كالقياصرة والأكاسرة إلى أن أدركته المنية عام ستين وجلس مكانه وليده وربيبه ، ونظيره في الخَلق والخُلق ، واهتز العالم الإسلامي حينذاك حيث أحسّوا أنّ إنساناً خمِّيراً وسكّيراً لاعباً بالكلاب والقردة ، تصدى للإمارة وفي الحقيقة للقضاء على الإسلام والمسلمين باسم الخلافة عن النبي الأكرم ، فعند ذاك تمت الحجّة على الحسين بن علي عليه السلام فجاهر بالخلاف والصمود أمامه حيث تجسد في الزمان قول جده رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : « إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه وإلّا فعليه لعنة اللَّه » « 2 » .

--> ( 1 ) . ابن قتيبة : الإمام والسياسية : 1 / 169 . ( 2 ) . الكليني : الكافي : 1 / 54 ، ط الغفاري .